الشيخ عبد الغني النابلسي
390
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فسكت موسى ووقع الفراق . فانظر إلى كمال هذين الرّجلين في العلم وتوفية الأدب الإلهيّ حقّه . وإنصاف الخضر عليه السّلام فيما اعترف به عند موسى عليه السّلام حيث قال له : « أنا على علم علّمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علّمكه اللّه لا أعلمه أنا » . فكان هذا الإعلام من الخضر دواء لما جرّحه به في قوله : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) [ الكهف : 68 ] مع علمه بعلوّ رتبته بالرّسالة ، وليست تلك الرّتبة للخضر ، وظهر ذلك في الأمّة المحمّديّة في حديث إبار النّخل ، فقال عليه السّلام لأصحابه : « أنتم أعلم بمصالح دنياكم » ولا شكّ أنّ العلم بالشّيء خير من الجهل به : ولهذا مدح اللّه نفسه بأنّه بكلّ شيء عليم . فقد اعترف صلى اللّه عليه وسلم بأنّهم أعلم بمصالح دنياهم منه لكونه لا خبرة له بذلك فإنّه علم ذوق وتجربة ولم يتفرّغ عليه السّلام لعلم ذلك ، بل كان شغله بالأهمّ فالأهمّ . فسكت موسى عليه السلام عن الكلام معه ، وكذا الخضر عليه السلام ووقع الفراق بينهما بعد ذلك فلا يجتمعان أصلا فانظر يا أيها السالك إلى كمال هذين الرجلين موسى والخضر عليهما السلام في العلم الإلهي الظاهري في هذا والباطني في هذا وفي توفية الأدب الإلهي حقه من كل واحد منهما للآخر وإنصافه الخضر عليه السلام فيما اعترف به عند موسى عليه السلام حيث قال له ، كما ورد في حديث البخاري « 1 » وغيره أنا على علم إلهي باطني علمنيه الله تعالى كما قال تعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً لا تعلمه ، أي ذلك أنت وأنت على علم إلهي ظاهري علمكه ، أي علمك اللّه تعالى إياه لا أعلمه أنا وصدور هذا من الخضر دون موسى عليه السلام دليل على زيادة علم الخضر على علم موسى عليه السلام وهو أعلم منه بنص الخبر في صحيح البخاري لما قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل وقد قالوا له : هل في الأرض أعلم منك فقال : لا ، فأوحى اللّه تعالى إليه أن في مجمع البحرين رجلا أعلم منك ودله على الخضر عليهما السلام حتى وقع منهما ما وقع ، لأن الظاهر من خصائص النسبة النفسانية وهي حال الدنيا لا غير ، وعلم الباطن من خصائص النسبة الإلهية وهي حال الآخرة ، والدنيا سريعة الزوال فهي قليلة بالنظر إلى الآخرة ، والآخرة أبقى فعلمها أعظم . فكان هذا الإعلام من الخضر لموسى عليهما السلام دواء ، أي مداواة منه
--> ( 1 ) الذي سبق تخريجه .